image
الرياض مكة الدمام

المدونة

أماكن في ذاكرة الوطن على خُطى المؤسس

تختزن الذاكرة أماكن للتاريخ التي مر بها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه -، خلال فتح الرياض ضمت النقيرة ونطاع والعينة والجافورة انتهاءً بقصر المصمك، والتي تشكل محطات ساطعة في ملحمة التوحيد، حيث بدأت ملحمة البطولة والتوحيد منذ خروجه من الكويت أواخر ربيع الآخر 1319هـ، النقيرة بلدة النقيرة وهي أول المحطات التي زارها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه -، في طريقه لاسترداد الرياض، والنقيرة تجاورها نقير، وهما تقعان شمال شرقي النعيرية على بعد 65 كلم وجنوب غرب محافظة الخفجي على بعد 120 كلم، محافظة الخفجي مر بها الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - حتى وصل إلى النقيرة، وهي مركز على مساحة 55 ألف كلم مربع، وتضم خمسة آلاف نسمة وتتبع لمحافظة النعيرية.
إنطاع مركز نطاع أو إنطاع - على حسب اللَّهجة - تقع جنوبي محافظة النعيرية على بعد 30 كلم، وهي أحد المراكز التي زارها الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - أثناء توجهه إلى الرياض، حيث استراح في غربها منذ قدومه من مليجة قبل توجهه إلى الصرار وقرى وادي المياه، وتتميز نطاع بالقرية التاريخية التي تعتبر إحدى أقدم قرى الجزيرة العربية، كما تتميز بقصر الملك عبدالعزيز، وقد بُنِي هذا القصر من الطِّين، حيث أمر جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - بإنشائه عام 1347هـ، ليكون قصرًا للحُكم في منطقة وادي المياه.
قصر الملك عبدالعزيز في إنطاع يتوجه إليه حاليًا طلاب وطالبات الجامعات والكليات والمعاهد والمدارس من أجل إجراء البحوث، كما أنَّ هذا القصر يحمل الشيء الكثير للأهالي ولسيَّاح القصر من دُوَل الخليج العربي، خصوصاً من الكويت وقطر والإمارات، ويعتبر علامة بارزة ومعلمًا خالداً في مركز إنطاع الذي يضم العديد من المراكز الحكومية والتعليمية والصحية والخدمية.
العيينة العيينة أو العوينة، أو عوينة كنهر في وداي المياه، وتضم مركزاً، وانضم عدد من المقاتلين إلى الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - في استرداد الرياض، ويقدر عددهم بـ1400 من المقاتلين، وتبعد 200 كلم من شمال غرب الدمام و260 كلم شمال شرقي الرياض، العيينة إحدى البلدات التي زارها الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - أثناء توجهه إلى الرياض، تشتهر العيينة بالعديد من الآبار مثل عين الحمرة وعين دلعة وتشتهر بأنها مقصد الكثير من المتنزهين في فصل الربيع.
الجافورة أما في طريقه فقد مر على رمال الجافورة على بعد 100 كلم جنوب محافظة الأحساء، واستقر بها مع رجاله قرابة 50 يوماً قبل التوجه لاسترداد الرياض، والجافورة رمال واسعة تمتد شمالاً بالقرب من ميناء العقير حتى جنوب الأحساء ويتسع امتدادها جنوباً حتى تختلط مع رمال الربع الخالي، الجافورة شهدت إقامة الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - ورجاله بعد مغادرة المكان الذي يتنقلون فيه بين حرض ويبرين واتجهوا إلى الأطراف الشمالية من هذه الرمال وأقاموا 50 يوماً ابتدأت منذ الأول من شعبان وفي 20 من شهر رمضان غادر الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - هذا المكان باتجاه آبار الزرقونة حيث تزود بالماء اللازم لمرحلة الخمسة عشر يوماً، وهي الفترة الزمنية التي استغرقها الملك المؤسس في طريقه من الجافورة لفتح الرياض.
قصر المصمك قصر المصك أو - قصر المسمك - الذي شيده الإمام عبدالله بن فيصل بن تركي بن محمد بن سعود في عام 1282هــ، قصر المصمك أو المسمك نسبة إلى سماكة جدرانه يعتبر من أشهر المعالم في المملكة، هذا القصر شاهد على الملحمة التاريخية لدخول الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - إلى الرياض في الخامس من شهر شوال من العام 1319هـ، وأعلن من خلاله أن الحكم لله ثم لعبدالعزيز.
قصر المصمك هو مَعلم وطني حضاري، وأيقونة تاريخية في حي الديرة عرفت بها مدينة الرياض في المملكة العربية السعودية، كان حصنًا تاريخيًا قبل أن يتحول إلى متحف لمراحل تأسيس المملكة في قلب العاصمة السعودية، ارتبط بأهم حدث في تاريخ المملكة، باعتباره البوابة التي دخل منها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، إبان استعادته مدينة الرياض عام 1319هـ / 1902م، الحدث الذي مهد لإعلان قيام الدولة السعودية الحديثة، وتوحيد باقي أجزاء المملكة.
سبب تسمية قصر المصمك التسمية مأخوذة من لفظ "المسمك"، المستخدمة للدلالة على سمك بناء القصر ومتانة جدرانه.
استخدم بادئ الأمر بوصفه حامية عسكرية، وبعد دخول الملك عبدالعزيز أصبح مستودعًا للأسلحة والذخائر مدة عامين، ثم تحول إلى متحف تاريخي جرى ترميمه وتحضيره للمرة الأولى من قبل أمانة منطقة الرياض عام 1400هـ / 1980م، ثم عُهد به إلى الإدارة العامة للآثار والمتاحف آنذاك، وافتتح عام 1416هـ / 1996م.

المصدر: صحيفة الرياض (22 فبراير 2026م)

مقالات ذات صلة

0 0

صادرات التمور السعودية تقفز إلى 1.938 مليار ريال في 2025 بنمو 59.5٪ منذ 2021

2026-04-26 اخبار

حقّقت المملكة العربية السعودية نموًّا قياسيًا في قيمة صادرات التمور خلال عام 2025م، بتسجيل ارتفاع بنسبة 14.3% مقارنةً بعام 2024م، و59.5% منذ عام 2021م، حيث بلغت قيمة الصادرات 1.938 مليار ريال؛ مما يؤكّد تطور قطاع النخيل والتمور في المملكة، وارتفاع جودة التمور السعودية وكفاءتها الإنتاجية، وتعزيز ريادتها وسيطرتها على الأسواق العالمية؛ بما يسهم في رفع مساهمة القطاع الزراعي بالناتج المحلي الإجمالي، ودعم الاقتصاد الوطني، وفقًا لمستهدفات رؤية المملكة 2030.

 وأوضح معالي وزير البيئة والمياه والزراعة رئيس مجلس إدارة المركز الوطني للنخيل والتمور المهندس عبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي، أن هذا الإنجاز يأتي نتيجةً للدعم غير المحدود الذي يحظى به القطاع من قِبل القيادة الرشيدة، إلى جانب التنسيق والتكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، لتطوير سلاسل الإمداد، وتعزيز كفاءة التصدير، وتوسيع حضور التمور السعودية في الأسواق العالمية.

وأشار الفضلي إلى أن مبادرة “تمكين صادرات التمور السعودية ودخولها للأسواق العالمية”، شكّلت الركيزة الأساسية لتحقيق هذا الإنجاز، حيث ارتفعت الصادرات إلى العديد من الدول مقارنة بعام 2024م. المملكة تُعد واحدة من أبرز الدول الرائدة في إنتاج وتصدير التمور عالميًا، حيث يتم تصديرها إلى أكثر من 125 دولة، بجودة تنافسية عالية وتنوع فريد، مما جعلها تلبي احتياجات وأذواق المستهلكين في مختلف أنحاء العالم.

 يُشار إلى أن قطاع النخيل والتمور شهد تحولات نوعية وإنجازات ملموسة، حيث بلغ حجم إنتاج التمور في المملكة خلال عام 2025م أكثر من 1.9 مليون طن، وتحتضن المملكة أكثر من 37 مليون نخلة، مما يعكس تنوع القطاع وقدرته على تلبية متطلبات الأسواق العالمية.

المصدر: صحيفة الوثاق الإلكترونية (25 أبريل 2026م)

0 0

مشروعات المملكة العملاقة.. ابتكارٌ واستدامة

2026-04-19 اخبار

لم يكن الإعلان عن المشروعات العملاقة في المملكة مجرد طرح لأفكار عمرانية طموحة، بل كان إيذاناً بمرحلة جديدة في تاريخ التنمية الوطنية، مرحلة انتقلت فيها دولتنا من التخطيط التقليدي إلى إعادة بناء المدن والاقتصاد وأنماط الحياة في آن واحد، ضمن رؤية شاملة تستهدف الإنسان قبل المكان، مرحلة تُدار فيها التنمية بعقل ابتكاري مستدام، يجعل من المدن منصات للفرص، ومن الاقتصاد محركًا للتنوع، ومن جودة الحياة أولوية وطنية، لترسيخ مكانة المملكة نموذجًا عالميًا في صناعة المستقبل وتحقيق تنمية متوازنة للأجيال القادمة، ونشهد اليوم كيف أن مشروعاتنا "كانت فكرة، فأصبحت واقعا"، من نيوم في شمال غرب المملكة، إلى القدية غرب الرياض، ومشروع البحر الأحمر على الساحل الغربي، والدرعية بوصفها مهد الدولة السعودية، تشكّل هذه المشروعات منظومة مترابطة، تقود تحولاً اقتصادياً واجتماعياً غير مسبوق.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن المشروعات العملاقة تستقطب استثمارات بمئات المليارات من الدولارات، وتُعد من أكبر محركات الاقتصاد، بمشاركة صندوق الاستثمارات العامة، وشراكات دولية مع كبرى الشركات العالمية في مجالات البناء، والتقنية، والطاقة، والسياحة، والترفيه، وتكمن أهمية هذه الاستثمارات في أنها لا تقتصر على البناء، بل تمتد إلى نقل المعرفة، وتوطين التقنية، وخلق سلاسل قيمة اقتصادية جديدة، ما يعزز مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي.

مشروع عالمي

بدايةً نعرّف بكلمة "نيوم"، وهي اسم مركّب يعني "المستقبل الجديد"، إذ يجمع بين كلمة Neo اليونانية التي تعني جديد، وحرف م الدال على "المستقبل أو المملكة، ليعكس رؤية مشروع عالمي يُجسّد طموح المملكة في بناء نموذج حضري واقتصادي مبتكر ومستدام، و"ذا لاين" -The Line- تعني "الخط"، وهو مفهوم حضري ثوري لمدينة خطية ذكية داخل نيوم، صُممت لتكون خالية من الانبعاثات الكربونية، بلا سيارات أو شوارع تقليدية، وتقوم على قرب الخدمات من السكان، بما يعيد تعريف أسلوب الحياة الحضرية في مدن المستقبل، ويستهدف مشروع "نيوم" وفق المخططات المعلنة، استقطاب أكثر من مليون نسمة على مراحل، وخلق مئات الآلاف من الوظائف النوعية، كما يمثل مشروع "نيوم" التجسيد الأوضح لهذا التحول، إذ يقوم على نموذج مدينة مستقبلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي، ولا يقتصر طموح نيوم على البعد العمراني فحسب، بل يمتد ليكون منصة عالمية للابتكار، وحاضنة للصناعات المتقدمة، ومختبرًا مفتوحًا لتجربة حلول غير مسبوقة في مجالات التنقل، والصحة، والتعليم، والتقنية الحيوية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني على المدى البعيد، ويبرز مشروع "ذا لاين" كأحد أكثر المفاهيم الحضرية جرأة، حيث يعيد تعريف المدينة بوصفها مساحة للعيش والعمل دون انبعاثات كربونية، ويقوم هذا النموذج على تصميم طولي يضمن قرب الخدمات من السكان، ويركز على جودة الحياة، والبيئة الصحية، والتفاعل المجتمعي، بما يضع الإنسان في قلب التخطيط الحضري، كما يعكس المشروع تحولًا جوهريًا في فلسفة التنمية، من التوسع الأفقي المستهلك للموارد إلى مدن ذكية مدمجة، قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية ومتطلبات المستقبل، ومن خلال هذه الرؤية، تسعى المملكة إلى تقديم نموذج عالمي جديد للمدن المستدامة، يؤكد قدرتها على الجمع بين الطموح الاقتصادي والمسؤولية البيئية، وصناعة مستقبل حضري يتجاوز المفاهيم التقليدية للتنمية.

متنفس طبيعي

وقبل أن تُعرف القدية بوصفها أحد أكبر مشروعات الترفيه في المنطقة، كانت هذه البقعة الواقعة جنوب غرب مدينة الرياض شاهدًا صامتًا على تاريخ جغرافي وثقافي عميق، شكّل جزءًا من ذاكرة المكان والإنسان في قلب الجزيرة العربية. فالقدية، بطبيعتها الجبلية الوعرة وأوديتها الممتدة، لم تكن أرضًا عابرة في الجغرافيا، بل منطقة ذات حضور تاريخي ارتبط بمسارات القوافل، ومواطن الاستقرار البشري المبكر، وأنماط العيش المرتبطة بالبيئة الصحراوية الجبلية، وعُرفت القدية قديمًا بكونها متنفسًا طبيعيًا لسكان الرياض وما حولها، يقصدونها للرحلات البرية، والتخييم، واستكشاف تضاريسها الفريدة التي تجمع بين الجبال والسهول، ما جعلها موقعًا مفضلًا لعشاق الطبيعة والمغامرة قبل أن تدخل في إطار التخطيط الحضري الحديث، كما ارتبط اسمها بالقصص الشعبية والمرويات المحلية التي تعكس علاقة الإنسان بالمكان، وتؤكد أن القدية كانت حاضرة في الوجدان الاجتماعي قبل أن تكون مشروعًا اقتصاديًا، ولم تكن أهمية القدية محصورة في بعدها الطبيعي فقط، بل في موقعها الاستراتيجي القريب من العاصمة، ما جعلها تمثل امتدادًا جغرافيًا مهمًا للرياض، وإحدى المناطق القابلة للتحول التنموي طويل المدى، ومن هنا، جاءت فكرة تطويرها لاحقًا، انطلاقًا من فهم عميق لقيمة المكان، وليس قطيعة مع تاريخه، واستحضار القدية قبل المشروع يكشف أن ما يجري اليوم ليس إنشاءً من فراغ، بل إعادة توظيف ذكية لمكانٍ كان حيًا في الذاكرة، ليصبح جزءًا من مستقبل وطني أوسع، يجمع بين الأصالة، والطبيعة، والتنمية المستدامة، في المقابل، تمثل القدية نموذجاً مختلفاً، حيث تُبنى بوصفها عاصمة للترفيه والرياضة والثقافة، وتشير التقديرات إلى أن المشروع سيستقطب عشرات الملايين من الزوار سنوياً بعد اكتماله، وسيسهم بمليارات الريالات في الناتج المحلي، وتعكس القدية تحول مفهوم الترفيه من نشاط ثانوي إلى قطاع اقتصادي متكامل، يوفر فرص عمل واسعة للشباب، ويسهم في توطين الإنفاق السياحي الذي كان يتجه خارج المملكة.

سياحة مستدامة

وقبل أن يُعرف مشروع البحر الأحمر بوصفه أحد أكثر المشروعات السياحية طموحًا على مستوى العالم، كانت سواحله الممتدة على غرب المملكة فضاءً طبيعيًا بكراً، حافظ لقرون طويلة على توازنه البيئي ونقائه الجغرافي، تلك المنطقة، التي تضم عشرات الجزر البكر والشعاب المرجانية النادرة، ولم تكن مجرد شريط ساحلي جميل، بل موطنًا لتنوع أحيائي فريد، وبيئة بحرية تُعد من الأجمل والأقل تأثرًا بالتدخل البشري في العالم، وقبل أن تتحول المنطقة إلى محور اهتمام عالمي، كانت حياة المجتمعات المحلية على امتداد ساحل البحر الأحمر تقوم على أنماط اقتصادية تقليدية، أبرزها الصيد، والملاحة الساحلية، والتجارة المحدودة، إضافةً إلى ارتباط السكان الوثيق بالبحر بوصفه مصدر رزق وهوية ثقافية، كما شكّل البحر الأحمر عبر التاريخ ممرًا بحريًا استراتيجيًا للتجارة والحج، وأسهم في ربط الجزيرة العربية بالعالم، ما أضفى على المنطقة بعدًا تاريخيًا يتجاوز قيمتها الجمالية، ولسنوات طويلة، بقيت هذه السواحل بعيدة عن مشروعات التطوير الكبرى، ما ساعد في الحفاظ على طبيعتها الخام، وجعلها كنزًا بيئيًا غير مستغل تجاريًا، غير أن هذا "الغياب التنموي" لم يكن إهمالًا بقدر ما كان انتظارًا لرؤية مختلفة، تدرك قيمة المكان وتوازن بين الاستثمار والحفاظ على البيئة، ومن هذا الفهم، تبلورت فكرة مشروع البحر الأحمر، لا بوصفه قطيعة مع الماضي، بل امتدادًا واعيًا له؛ إذ انطلق المشروع من دراسة دقيقة للبيئة البحرية والبرية، ليكون نموذجًا للسياحة المستدامة، يحمي الطبيعة ويحوّلها إلى قيمة اقتصادية مضافة، وهكذا، انتقل البحر الأحمر من كونه فضاءً طبيعيًا هادئًا إلى واقع عالمي يعكس قدرة المملكة على تحويل كنوزها الطبيعية إلى مشروعات رائدة، دون التفريط في إرثها البيئي والتاريخي، والآن يعد مشروع البحر الأحمر، نموذجاً عالمياً للسياحة المستدامة، حيث يستهدف التشغيل الكامل بالطاقة النظيفة، مع الحفاظ على النظم البيئية البحرية، في توجه يعكس التزام المملكة بالمعايير البيئية العالمية.

منصة ثقافية

وتمثل الدرعية اليوم نموذجًا وطنيًا فريدًا يجمع بين العمق التاريخي والطموح الاقتصادي، لتتحول من موقعٍ تراثي عريق إلى منصة ثقافية عالمية تعيد تقديم تاريخ الدولة السعودية، منذ تأسيسها في الدرعية قبل ثلاثة قرون، وصولًا إلى الدولة السعودية الثالثة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، فالدرعية ليست مجرد موقع أثري، بل ذاكرة وطن، انطلقت منها ملامح الهوية السياسية والثقافية للمملكة، وتحمل أحياء الدرعية، وفي مقدمتها حي الطريف المسجل في قائمة التراث العالمي لـ"اليونسكو"، شواهد حية على نشأة الدولة السعودية الأولى، بما تضمه من قصور ومرافق إدارية وأنماط معمارية نجدية تعكس فلسفة الحكم والمجتمع في تلك المرحلة التاريخية، وقد أُعيد ترميم هذه المعالم وفق أعلى المعايير العالمية، بما يحافظ على أصالتها ويجعلها في متناول الزائر المحلي والدولي، في تجربة ثقافية تعليمية متكاملة، وفي بعده الاقتصادي، يشكّل مشروع تطوير الدرعية ركيزة أساسية في تنويع الاقتصاد الوطني، من خلال استثمارات في السياحة الثقافية، والضيافة، والصناعات الإبداعية، وتنظيم الفعاليات العالمية، بما يسهم في خلق فرص وظيفية نوعية، وجذب رؤوس الأموال، وتحفيز الاقتصاد المحلي، ويُعد هذا التوظيف الاقتصادي للتراث مثالًا على التنمية الذكية التي تحوّل التاريخ إلى قيمة مضافة مستدامة، وثقافيًا تسعى الدرعية إلى إعادة سرد تاريخ الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة بأساليب معاصرة، عبر المتاحف، والعروض التفاعلية، والبرامج الثقافية، لتقديم الرواية الوطنية بلغة يفهمها العالم، وبهذا التكامل بين التاريخ والاقتصاد والثقافة، تؤكد الدرعية قدرتها على أن تكون نافذة المملكة على العالم، ومنصة حضارية تُجسد استمرارية الدولة السعودية وجذورها الراسخة وطموحها المتجدد، وفي حين تجمع الدرعية بين البعد التاريخي والاقتصادي، لتكون منصة ثقافية عالمية، تعيد تقديم تاريخ الدولة السعودية بأسلوب معاصر، وتفتح آفاقاً واسعة للاستثمار في الاقتصاد الثقافي والإبداعي.

اجتماعية ومعيشية

ولم تقتصر آثار المشروعات العملاقة بالمملكة على المؤشرات الاقتصادية الكلية، بل امتدت إلى تحولات اجتماعية ومعيشية انعكست على سوق العمل، وجودة الحياة، ونمط المدن السعودية، وتوليد وظائف جديدة واقتصاد متنوع، وتشير الدراسات إلى أن هذه المشروعات تسهم في خلق مئات الآلاف من الوظائف المباشرة وغير المباشرة، وتعزز توطين المهن النوعية في مجالات التقنية، والسياحة، والترفيه، والهندسة، وترفع من جاذبية المملكة للاستثمار الأجنبي، الذي شهد نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، كما أسهمت المشروعات في إعادة تشكيل سوق العمل، من خلال التركيز على المهارات، وريادة الأعمال، والعمل في القطاعات الجديدة، بدلاً من الاعتماد على الوظائف التقليدية، وتوليد مدن بجودة حياة مختلفة، وعلى الصعيد الاجتماعي، أعادت هذه المشروعات تعريف مفهوم المدينة، حيث لم تعد مجرد تجمعات سكنية، بل بيئات متكاملة للعيش والعمل والترفيه، وأسهم ذلك في تحسين جودة الحياة، وتوفير خيارات سكن وترفيه متنوعة، وكذلك تعزيز التوازن بين العمل والحياة، واستثمار في الإنسان، واللافت في هذه المشروعات أنها وضعت الإنسان في قلب التخطيط، سواء عبر التدريب، أو التمكين، أو إشراك الكفاءات الوطنية في مواقع القيادة والتنفيذ، ما أسهم في بناء جيل جديد يمتلك خبرة عالمية على أرض وطنه، وفي قراءة مستقبلية تؤكد التجربة السعودية أن المشروعات العملاقة ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لبناء اقتصاد مستدام، ومدن قادرة على المنافسة عالمياً، وتحقيق مستهدفات رؤية 2030، وبينما تتقدم مراحل التنفيذ، يتضح أن ما بدأ فكرة طموحة تحوّل إلى واقع يُبنى على الأرض، ليصنع مدناً للقرن القادم، ويضع المملكة في موقع متقدم على خارطة التنمية العالمية.

المصدر: صحيفة الرياض (19 أبريل 2026م)

التعليقات (0)

اضف تعليق